كنيسة القديس جوارجيوس ترشيحا
تذكار القدّيسَين المجيدَين والرسولَين الزعيمَين بطرس وبولس الجديرَين بكلّ مديح.
اضيف بتاريخ : 2010-06-29 / مصنف تحت: قديسون واباء الكنيسة


بمناسبة عيد القديسين بطرس و بولس (الثلاثاء ٢٩ يونيو ٢٠١٠) نضع بين أيديكم ملخص عن سيرة حياتهما:

القدّيس بولس الرسول

خلفيّته اليهودية الفرّيسيّة
عبراني من سبط بنيامين. وُلد في طرسوس الكيليكية حوالي السنة العاشرة الميلادية في إحدى الرعايا اليهودية في الشتات. هذه أقامت أمينة لتراث آبائها. اتّخذ اسم شاول وتمتّع، من جهّة أبيه، بامتياز المواطنية الرومية. كبر في احتكاك والحضارة الهيلينية. غيرته على الناموس حملت والديه على إيفاده إلى أورشليم حيث انضمّ إلى شيعة الفرّيسيّين ودرس على الربّان غمالائيل الشيخ. اشترك في حقد آبائه على المسيحيّين الذين اعتبرهم متعدّين خطرين للشريعة. على هذا كان موافقاً للذين رجموا القدّيس استفانوس. وكان ينفث تهدُّداً وقتلاً على تلاميذ الربّ. يقتحم البيوت ويخرج الرجال والنساء ويلقيهم في السجون. وإذ أخذ رسائل من رئيس الكهنة انطلق إلى مجمع دمشق "حتى إذا وجد أناساً من الطريق رجالاً أو نساء يسوقهم موثَقين إلى أورشليم" (أع 9: 2).

صوت ونور الهداية
فلمّا اقترب من دمشق اشتمله، فجأة، نور من السماء. وإذ وقع على الأرض سمع صوتاً يقول له: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" فقال: "مَن أنتَ يا سيّد؟" فقال الربّ: "أنا يسوع الذي أنتَ تضطهده!... قمْ وادخل المدينة". نهض شاول عن الأرض ولم يكن يبصر شيئاً، فاقتادوه بيده وأدخلوه إلى دمشق. بقي ثلاثة أيّام لا يأكل ولا يشرب إلى أن أتاه تلميذ اسمه حنانيا أنبأه ملاك بأمر شاول. هذا دخل البيت ووضع عليه يديه لكي يبصر ويمتلئ من الروح القدس، فأبصر في الحال وقام واعتمد. على الأثر شرع بولس يكرز بيسوع ابن الله في المجامع فأثارت مناداته استغراباً بين اليهود ومن ثمّ حنقاً وحقداً فسعوا للتخلّص منه لكن المسيحيّين تمكّنوا من إرساله، من هناك، في الوقت المناسب. وقد دلّوه في سلّ من سور دمشق فانطلق إلى العربية. هناك أمضى سنتين يعدّ نفسه للعمل الكبير الذي شاءه الربّ الإله أن يقوم به بالصوم والصلاة.

تكريس وشوكة وألقاب
من تلك اللحظة كل حياة بولس الرسول باتت مكرّسة لخدمة الربّ يسوع. لذا قال في الرسالة إلى أهل فيليبي: "أفعل شيئاً واحداً إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدّام. أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع" (3: 14). لقد مات للناموس ليحيا لله مذيعاً بالفم الملآن: "لست بعد أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ!" (غلا 2: 20). أمّا السيّد فظهر له في عدد من الرؤى والإعلانات. ذات يوم، في أنطاكية، فيما يبدو، حوالي العام 44 م خُطف إلى السماء الثالثة وسمع كلمات لا يُنطق بها (2 كو 12). ولم تكن الإعلانات الإلهية لتحدوه على الانتفاخ. الربّ الإله يعرف أن يحفظ خاصته. أعطاه شوكة في الجسد حتى يجعل ضعفه أمام عينيه كل حين ويفتخر، بالحري، بضعفه لكي تحلّ عليه قوّة المسيح كما قال. على هذا أنفق نفسه في الخدمة إلى المنتهى غير مبال بما يصيبه من جرّائها. سبع مرّات سُجن، بحسب شهادة القدّيس اكليمنضوس الرومي. خمس مرّات جلده اليهود كل مرّة أربعين جلدة إلاّ واحدة. ضُرب بالعصي ثلاث مرّات. مرّة رُجم وثلاث مرّات انكسرت به السفينة. عانى أخطار السيول وأخطار اللصوص وأخطار الأمم وأخطار البحر والبرّ. أقام في التعب والكدّ والأسهار والجوع والعطش والأصوام والبرد والعري (راجع 2 كو 11). كل حكمة العالم استبانت في عينيه سقطاً. بات همّه أن يذيع بيسوع المسيح وإيّاه مصلوباً. في ذلك كان الكل للكل ليخلِّص على كل حال قوماً.

إثر عودته من العربية أقام في دمشق لفترة قصيرة ثمّ اضطر للهرب من جديد. هذه المرّة إلى أورشليم. شعر المؤمنون بالقلق إزاءه لأنّه صعب عليهم أن يصدّقوا أنّه صار تلميذاً. لكن برنابا قدّمه للرسولَين بطرس ويعقوب وضَمِنه. مذ ذاك أخذ يدخل ويخرج معهم كارزاً بيقين شديد باسم الربّ. ثمّ بعدما عزم يهود متهلّنين على قتله نقله تلاميذ إلى قيصرية ثمّ إلى موطنه طرسوس.

في أنطاكية
بعد ذلك بوقت قصير، بلغ أورشليم خبر أنّ وثنيّين اقتبلوا الإيمان في أنطاكية. على الأثر أُوفد برنابا الذي توجّه إلى طرسوس وأخذه معه إلى أنطاكية. بقي الإثنان هناك سنة كاملة علّما خلالها جمهوراً كبيراً من الناس. هناك دُعي التلاميذ أولاً مسيحيّين.

وإذ أعلن أحد الأنبياء أنّ مجاعة كبيرة سوف تضرب الأمبراطورية، لا سيما بلاد فلسطين – هذا كان في حدود العامين 49 / 50 للميلاد – عمد مؤمنو أنطاكية إلى جمع المساعدات للإخوة في أورشليم وكلّفوا بولس وبرنابا بتبليغها. فلمّا عادا إلى أنطاكية، وفيما كانت الجماعة، يوماً، تصلّي أشار الروح القدس بأن يُفرز برنابا وشاول للمهمّة التي عيّنها لهما. فبعدما صاموا وصلّوا، وضع الإخوة عليهما الأيدي وأطلقوهما.

الرحلة الكرازية الأولى
توجّه برنابا وشاول (بولس) إلى قبرص. في السلامية جعلا يذيعان بكلمة الله في المجامع. وإذ اجتازا الجزيرة أتيا إلى بافوس حيث اقتبل الوالي الروماني، سرجيوس بولس، الإيمان رغم مقاومة ساحر لدى الوالي اسمه علّيم. هذا ضربه بولس بالعمى.

من بافوس أتيا إلى برجة في بمفيليا ثمّ إلى أنطاكية بيسيدية حيث هدى بولس عدداً من اليهود بعدما دعا إلى التوبة في المجمع. ولمّا اعترض بعض اليهود بتجاديف أجاب بولس وبرنابا: "كان يجب أن تُكلَّموا أنتم أولاً بكلمة الله ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنّكم غير مستحقّين للحياة الأبدية هوذا نتوجّه إلى الأمم!" (أع 13: 46). هذا أفرح الأمم وحملهم على تمجيد الربّ الإله. "وآمن جميع الذين كانوا معيَّنين للحياة الأبدية" (أع 13: 48). ولكنْ نجح اليهود في طرد الرسولَين من المدينة فانتقلا إلى إيقونيا. هناك أيضاً كرزا بالكلمة في المجمع. وقد انضمّ عدد كبير من اليهود والأمميّين إلى الإيمان. مدّد الرسولان إقامتهما هناك وأجرى الربّ الإله آيات وعجائب شهادة لتعليمهما. من جديد لاحقهما اليهود فاضطرا للانتقال إلى ليكاؤنية. في ليسترا أبرأ بولس، بنعمة الله، رجلاً قعيداً منذ ولادته فأنزلت الجموع الرسولَين منزلة الآلهة وأرادوا أن يضحّوا لهما. ولم ينجح الرسولان في صرف الناس هناك عن فعل ذلك إلاّ بشقّ النفْس. فجأة وصل يهود من أنطاكية وإيقونية وقلّبوا الناس عليهما. فكان أن رُجم بولس وجُرِّر كميت إلى خارج المدينة. لكنّه نهض بعدما انصرفوا عنه وارتحل إلى دربا حيث تلمذ العديدين، ثمّ عاد إلى ليسترا وإيقونية وأنطاكية ليشدِّد المؤمنين قائلاً لهم إنّه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السموات. في كل كنيسة أسّسها بولس، كان يعيِّن شيوخاً ليسوسوا الإخوة ويُسوّوا الخلافات بين المؤمنين ويتابعوا عمله التعليمي. وبعدما استودع الرسولان المؤمنين هناك الربّ الإله عادا إلى أنطاكية السورية.

لدى وصولهما جمعا الكنيسة ورويا ما حقّقه الله بهما وكيف أنّ باب الإيمان انفتح للأمم. وإنّ إخوة كانوا قد قدموا من أورشليم زعموا أنّه يلزم الوثنيّين المهتدين أن يختتنوا. إذ ذاك ثار جدل حام وأُوفد بولس وبرنابا إلى الرسل في أورشليم ليقطعوا في الأمر. هناك أطلع الرسولان الكنيسة على كل ما حقّقه الله بين الأمم. ولمّا حكم الرسل المُسمَّون أعمدة، بطرس ويعقوب ويوحنّا بعدم تحميل الأمم وزر الناموس، أعطوا بولس وبرنابا يمين الشركة وأن يبشِّرا الأمم كما هم ذوي الختان.

عاد بولس وبرنابا إلى أنطاكية وأطلعا الكنيسة فيها على قرار الكنيسة في أورشليم فكانت تعزية بين المؤمنين. لكن المشكلة لم تحلّ نهائياً وبقي قوم متمسّكين بالختان. هذا استبان، بخاصة، في الاحتكاك الذي حصل بين بولس وبطرس، هناك، في هذا الشأن.

الرحلة الكرازية الثانية
ثمّ بعد حين قرّر بولس أن يقوم برحلة تبشيرية ثانية لتفقّد الإخوة في المدن التي سبق زرع الكلمة فيها. وإذ حصل لبولس سوء تفاهم مع برنابا، في شأن مرقص، ابن أخت برنابا الذي غادرهما في بمفيلية، افترقا فتوجّه برنابا ومرقص إلى قبرص فيما أخذ بولس معه سيلا وتوجّه وإيّاه شمالاً سيراً على الأقدام. وقد اجتازا سورية وكيليكية وثبّتا التلاميذ ثمّ زارا دربا وليسترا وإيقونية.

في ليسترا انضمّ تيموثاوس إلى بولس وسيلا. وإذ واجهت مهمّتهم عوائق في آسيا وبيثينيا تحوّلوا إلى ترواس حيث كانت لبولس رؤيا أن يحمل الإنجيل إلى مقدونيا.

لمّا وصلوا إلى فيليبي تحدّثوا في السبت إلى نساء اجتمعن خارج المدينة ليصلّين. وقد فتح الربّ قلب امرأة اسمها ليديا فاعتمدت هي وأهل بيتها واستضافت الرسل. ولكنْ عندما أخرج بولس روحاً غريباً من أَمَة كانت تتكلّم بالغيب ورأى مواليها أنّه زال رجاء مكسبهم، أسلموا بولس وسيلا إلى القضاة متّهمين إيّاهما بإثارة الشغب في المدينة. فضُرب الرسولان بالسياط وأُلقيا في السجن وضُبطت أرجلهما في المِقطرة. ثمّ في نصف الليل، فيما كان بولس وسيلا يُصلّيان ويسبّحان الله حدثت، بغتة، زلزلة عظيمة فانفتحت، في الحال، الأبواب كلّها وانفكّت قيود الجميع. بنتيجة ذلك اهتدى السجّان وأهل بيته. وفي اليوم التالي ارتبك الولاة إذ اكتشفوا أنّ الرسولين كانا رومانيّين. وبعدما تضرّعوا إليهما أن ينصرفا عنهم زارا ليديا ثمّ خرجا من المدينة.

بعد ذلك أتى الرسولان إلى تسالونيكي حيث بشّرا في المجمع كالعادة محاجِجَين على مدى ثلاثة سبوت أنّه كان ينبغي أنّ المسيح يتألّم ويقوم من الأموات وأن "هذا هو المسيح يسوع الذي أنا أُنادي لكم به" (أع 17: 3). فاقتنع عدد ليس بقليل من اليونانيّين المتعبّدين والنساء المتقدّمات. لكن اليهود غير المؤمنين غاروا وسجّسوا المدينة وأزعجوا الجمع والحكّام. هذا اضطر بولس وسيلا إلى الخروج ليلاً إلى بيريّة حيث أصابا نجاحاً لكن يهود تسالونيكي تعقّبوهما فغادر بولس إلى أثينا مخلِّفاً سيلا وتيموثاوس وراءه ليثبِّتا عمل الله في بيرية.

في أثينا
لمّا بلغ بولس أثينا وعاين المدينة مملوءة أصناماً احتدّت روحه فيه. أخذ يكلّم اليهود المتعبّدين في المجمع والذين يصادفونه في الأغورا (السوق) كل يوم. بين الذين قابلوه عدد من الفلاسفة الأبيقوريّين والرواقيّين. وإذ بدا لهم أنّه ينادي بآلهة غريبة، لأنّه كان يبشّر بيسوع والقيامة، أخذوه إلى آريوس باغوس. وقف بولس في وسط المكان وخاطب المجتمعين مشيراً إلى معبوداتهم وإيجاده بينها مذبحاً مكتوباً عليه: "لإله مجهول". ثمّ أردف: "الذي تتّقونه وأنتم تجهلونه هذا أنا أُنادي لكم به. الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه... وهو لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيادي..." (أع 17). وبعدما حكى عن الإله الواحد كلّمهم عن القيامة من الأموات. عند هذا الحدّ استهزأ بعضهم فيما أبدى آخرون رغبة في سماع المزيد. وقيل التصق به قوم وآمنوا. منهم ديونيسيوس الآريوباغي وامرأة اسمها دامرس وآخرون.

في كورنثوس
من أثينا انتقل بولس إلى كورنثوس حيث أقام في بيت بريسكلاّ وأكيلا اللذَين كانا خياميَّين نظيره. خلال أيّام الأسبوع كان يعمل ليأكل من عرق جبينه وفي السبت يُحاجّ، في المجمع، مقنعاً اليهود واليونانيّين شاهداً بالمسيح يسوع. وإذ كانوا يقاومون ويجدّفون نفض ثيابه قائلاً لهم: "دمكم على رؤوسكم. أنا بريء. من الآن أذهب إلى الأمم". وقد ورد أنّ كريسبس، رئيس المجمع، آمن بالربّ مع جميع بيته. كذلك لمّا سمع كثيرون من الكورنثيّين آمنوا واعتمدوا. وقد أتاه صوت الربّ في رؤيا الليل أن "لا تخف بل تكلّم ولا تسكت لأنّي أنا معك ولا يقع بك أحد ليؤذيك لأنّ لي شعباً كثيراً في هذه المدينة". بعد ذلك أقام في كورنثوس سنة وستة أشهر يعلّم بينهم كلمة الله. ومن كورنثوس وجّه أولى رسائله المعروفة إلى مسيحيّي تسالونيكي. أمّا اليهود الذين لم يكفّوا عن مؤامراتهم عليه فقد نجحوا في تحريك القضاء لدى غاليون الحاكم، لكن هذا رفض أن يخوض في جدال بشأن الشريعة وأطلقه.

غادر بولس كورنثوس إلى أنطاكية. عرّج في طريقه على أفسس قليلاً وكرز باقتضاب في مجمعها ثمّ تركها بعدما وعد الذين سمعوه باهتمام أن يعود إليهم قريباً. أمضى في أنطاكية بعض الوقت ثمّ خرج في رحلة تبشيرية ثالثة. امتدّت بين العامَين 53 و 58 م.

الرحلة الكرازية الثالثة
اجتاز بولس في غلاطية وفيرجيا مثبِّتاً الإخوة في الإيمان ثم توجّه إلى أفسس ليتابع ما بدأه. هناك وجد اثني عشر مسيحياً هداهم أبللس لكنّهم لم يأخذوا سوى معمودية يوحنّا. فما إن اعتمدوا ووضع عليهم بولس اليد حتى شرعوا في التنبّؤ ممتلئين من الروح القدس. وعلى مدى ثلاث سنوات تكلّم بولس في أفسس على ملكوت السموات. وإذ واجه من اليهود مقاومة في المجمع فرز التلاميذ وأتمّ تعليمهم. إلى ذلك دعم الرسول، عن بُعد، بفضل رسائله، مسيحيّي كورنثوس وغلاطية وقيل أيضاً فيليبي. وقد أجرى الله على يديه العديد من العجائب حتى كان يكفي أن يُؤتى "عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى فتزول عنهم الأمراض وتخرج الأرواح الشرّيرة منهم" (أع 19: 12).

نجاح بولس أقلق الصاغة الذين كانت سعتهم من عبادة الإلهة أرطاميس، فقاموا عليه وملأوا المدينة اضطراباً وجرّر الجمع، إلى المشهد، رفيقي بولس في السفر غايوس وأرسترخس. فلمّا هدأت ثورتهم، خوفاً من الرومان، قرّر بولس أن يذهب إلى مقدونيا. وإذ وعظ المؤمنين متنقِّلاً عاد إلى كورنثوس حيث قضى الشتاء. وهناك أصلح الإنحرافات التي سبق له أن انتقدها بالرسالة. من هناك أيضاً حرّر رسالته إلى أهل رومية وفيها حدّد، بصورة أساسية، عقيدة الخلاص باعتباره نعمة مجانية يهبها الله للذين يؤمنون بالربّ يسوع المسيح.

تلقّى الرسول ثمار الجمع المخصّص للإخوة في أورشليم، فنوى أن يذهب ليسلّمهم إيّاها بنفسه، في العنصرة. ولكن، مرّة أخرى، أثار عليه اليهود مؤامرة جديدة فقصد أن يبحر إلى سوريا لكن الروح قال له أن يعود عن طريق مقدونيا. وفي ترواس، حين كان يعلّم الإخوة، الليل بطوله، حدث أنّ شاباً اسمه أفتيخيوس تثقّل بنوم عميق فوقع من الطابق الثالث وحُمل ميتاً لكن بولس أقامه بنعمة الله. بعد ذلك توجّه بولس إلى أسّوس وميرا ثمّ إلى ميليتس حيث وافاه قسوس كنيسة أفسس. أعلمهم أنّ الروح القدس أخطره أن وثُقاً وشدائد تنتظره في أورشليم. لكنّه قال: لست أحتسب لشيء ولا نفسي ثمينة عندي حتى أتمّم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الربّ يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله" (أع 20: 24). وإذ ذكّرهم بالأتعاب التي تجشّمها لتأسيس كنيستهم حثّهم على أن يحترزوا لأنفسهم ولجميع الرعيّة التي أقامهم الروح القدس فيها "لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه"، على حدّ تعبيره. وبعدما صلّى مع جميعهم جاثياً على ركبتيه ودّعهم فوقعوا على عنقه يقبّلونه "متوجّعين، لا سيما من الكلمة التي قالها إنّهم لن يروا وجهه أيضاً. ثمّ شيّعوه إلى السفينة" (أع 20: 37).

توجّه الرسول من هناك إلى كوس ثمّ إلى رودس فباتَرا فصور فعكّا فقيصرية حيث دخل بيت فيليبس الشمّاس المبشِّر. ورغم أنّ نبيّاً اسمه أغابوس أشار إلى ما كان بولس مزمعاً أن يعانيه من مشقّات وطلب منه صحبُه أن لا يصعد إلى أورشليم فإنّ جوابه كان: "ماذا تفعلون تبكون وتكسرون قلبي؟ لأنّي مستعدّ ليس أن أُربَط فقط بل أن أموت أيضاً في أورشليم لأجل اسم الربّ يسوع" (أع 21: 13).

في أورشليم
في المدينة المقدّسة استقبل الإخوة بولس بفرح. وإذ اجتمع إليه الشيوخ عند يعقوب، عرض عليهم بالتفصيل كل ما فعله الله بين الأمم بواسطة خدمته. "فلمّا سمعوا كانوا يمجِّدون الربّ". ثمّ أشاروا عليه أن يرافق أربعة كان عليهم نذر ليتطهّر معهم ويبيِّن لليهود الذين آمنوا واستمرّوا غيارى للناموس أنّه لا زال يسلك حافظاً الناموس (أع 21: 24). فلمّا أشرفت الأيّام السبعة اللازمة لإيفاء النذر على الإنقضاء رآه يهود من آسيا في الهيكل فأهاجوا كل الجمع وألقوا عليه الأيادي وجرّروه خارج الهيكل وطلبوا أن يقتلوه. لكن وصل الخبر إلى أمير الكتيبة في أورشليم فأخذ للوقت عسكراً وقادة مئات وانتزعه من أيديهم. وإذ أراد أن يصعد به على درجات قلعة أنطونيا رغب إليه بولس أن يأذن له بمخاطبة الشعب فأعطاه الإذن. ولمّا أشار بيده إلى الشعب صار سكوت عظيم فناداهم باللغة الآرامية محتجّاً مخبراً بكيفية هدايته. لكنّه ما إن أتى على ذكر خدمته للأمميّين حتى رفعوا أصواتهم قائلين: "خذ مثل هذا من الأرض لأنّه لا يجوز أن يعيش". فأخذه الجند وراموا أن يمدّوه للسياط استجواباً. فلمّا علموا أنّه روماني الرعويّة تنحّوا عنه. أمّا الأمير فأراد أن يعلم اليقين لماذا يشتكي اليهود عليه فأحضر رؤساء الكهنة وكل مجمعهم، في الغد، وأقام بولس لديهم. فلمّا قال بولس إنّه فرّيسي ابن فرّيسي وإنّه على رجاء قيامة الأموات يُحاكَم إنقسم الحاضرون لأنّه كان بينهم فرّيسيون وصدّوقيّون. الفرّيسيون يؤمنون بالقيامة أما الصدّوقيون فينكرونها. ولما خاف الأمير أن يفسخوا بولس انتزع جندُه بولس من وسطهم وأتوا به إلى المعسكر. ثمّ في الليلة التالية وقف الربّ ببولس وقال له: "ثق يا بولس لأنّك كما شهدت بما لي في أورشليم هكذا ينبغي أن تشهد في رومية أيضاً" (أع 23: 11).

وحاك اليهود مؤامرة على بولس ليقتلوه فدرى بها الأمير ونقله، محفوظاً بأعداد من العسكر، إلى قيصرية، إلى فيليكس الوالي. فانحدر حنانيا رئيس الكهنة مع الشيوخ وعرضوا للوالي ضدّ بولس. فلمّا دُعي بولس اتّهموه بأنّه مُفسِد ومهيِّج فتنة بين جميع اليهود وأنّه شرع أن ينجِّس الهيكل. أما بولس فنفى أن يكون قد صنع سوءاً لكنّه أقرّ أمام الجميع بأنّه حسب الطريق الذي يقولون عنه شيعة الناصريّين هكذا يعبد إله آبائه "مؤمناً بكل ما هو مكتوب في الناموس والأنبياء" (أع 24: 14). وأبان أنّ له رجاء بالله أنّه "سوف تكون قيامة للأموات للأبرار والأثمة" (أع 24: 15). بقي بولس مسجوناً في قيصرية مدّة سنتين إلى أن خلف فيليكس وال آخر هو فستوس. هذا عرض على بولس أن يصعد إلى أورشليم ليُحاكَم هناك لديه. قال ذلك لأنّه أراد أن يودع اليهود منّة. أدرك بولس أنّ فستوس مزمع أن يسلّمه إلى اليهود فرفع دعواه إلى قيصر فأُجيب إلى طلبه.

رحلة الأسر إلى رومية
أبحر بولس وبعض التلاميذ في عهدة قائد مئة من كتيبة أوغسطوس اسمه يوليوس. مرّوا بصيدا ونزلوا إلى ميرا ليكية حيث وجدوا سفينة إسكندرية مسافرة إلى إيطاليا. لم يبلغوا جنوبي كريت إلاّ بصعوبة بالغة. وإذ لم يشاؤوا أن يُشتُّوا هناك تابعوا سيرهم رغم أخطار السفر وتحذيرات بولس. أُخذت السفينة بريح زوبعية اسمها أوروكليدون. وبعد أيّام انتُزع كل رجاء في نجاتهم. لكنْ وقف ملاك الربّ ببولس ووهبه جميع المسافرين معه قائلاً له: "لا تخف يا بولس. ينبغي لكَ أن تقف أمام قيصر. وبالفعل نجا الركّاب إلاّ السفينة بعد أربعة عشر يوماً من المعاناة. المقام الذي استقرّوا فيه كان جزيرة تدعى مليطة. هناك قضوا بقية الشتاء. بعد ثلاثة أشهر أقلعوا في سفينة إسكندرية شتت في الجزيرة. أخيراً أتوا إلى رومية بعد بضع محطّات. أتى الإخوة في رومية لاستقباله في فورون أبيّوس والثلاثة الحوانيت. وقد أُذِن لبولس أن يقيم وحده مع عسكري كان يحرسه وتسنّى له أن يستقبل زائريه بحرّية. فترة الاعتقال هذه استمرّت سنتين كتب بولس خلالها رسائل إلى كنائس كولوسي وفيليبي وأفسس عارضاً لعمق سرّ المسيح المخبوء في الله منذ البدء والمكشوف في ملء الأزمنة.

في التراث
هذا وسِفر أعمال الرسل يتوقّف عن الكلام عند أسْر بولس في رومية. ويُظنّ أنّ محاكمة الرسول لدى قيصر انتهت بإطلاق سراحه وأنّه ذهب إلى أسبانيا كما كان يرغب (رو 15: 24). وثمّة مَن يقول إنّه قام، بعد ذلك، برحلة أخرى إلى الشرق ومرّ بكريت وآسيا الصغرى وترواس ومقدونيا. كذلك يبدو أنّه أُوقف من جديد في حدود العام 67 م في ظروف لا نعرفها، فاقتيد إلى رومية مع لوقا وعانى أسراً قاسياً، ثمّ حوكم كمواطن روماني وجرى قطع رأسه على طريق أوستيا، خارج المدينة.

رفاته
يُشار إلى أنّ هامتَي الرسل بطرس وبولس محفوظتان في بازيليك القدّيس يوحنّا لاتران. بعض جسده تحت مذبح بازيليك القدّيس بولس خارج الأسوار والقسم الباقي مع جسد القدّيس بطرس تحت مذبح بازيليك القدّيس بطرس في الفاتيكان. العيد اليوم احتفاء، منذ القرن الرابع، بنقل جسدَي الرسولَين إلى دياميس القدّيس سباستيانوس، على طريق أبيوس، حفظاً لها من التدنيس المحتمل خلال حملة اضطهاد الأمبراطور فاليريانوس سنة 258 م. فلمّا عاد الهدوء أعادهما البابا سيلفستروس إلى مثواهما الأول.


القديس بطرس:

اسمه أيضاً سمعان أو صفا، ويعني الصخرة. عاش في بيت صيدا وكفرناحوم وكان صيّاداً. بشّر فلسطين وآسيا الصغرى وإيطاليا. صنع عدة عجائب (ظلّه كان يشفي). حُكم عليه بالموت من الإمبراطور نيرون. طلب من صاليبيه أن يصلبوه رأساً على عقب لأنه اعتبر نفسه غير مستحق أن يُصلب كسيّده. يُعتبر رئيس جوقة الاثني عشر تلميذاً. وقد قال له المجد لبطرس :"أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها... ارعَ خرافي... ارعَ نعاجي... ثبّت إخوتك..."

وعلى رئاسة بطرس وخلفائه الأحبار الرومانيين، وعلى تعليم بولس وسائر الرسل وخلفائهم الأساقفة الموقرين، قامت كنيسة المسيحية وتقوم إلى الأبد، لان الربّ معها، ولا بدّ لها إن تعود يوماً فتضمَّ كل أبنائها في وحدة الكنيسة الجامعة، وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد.

ليؤهِّلنا الرب أن نلبي دعواه كما لبى تلك الدعوة الرسولان بطرس وبولس. أن نتحمل إذا اقتضى الأمر في سبيل الإيمان به، كما تحملا المشقات بل أيضاً أن نبذل حتى الدم في سبيل المسيح يسوع والإيمان به الذي سُفِك دمه من أجلنا على الصليب لنقوم معه قيامة الحياة.




صور مرافقة للمقال

تعليقات (اضف تعليق)


المقالات الاكثر شعبية

جميع الحقوق محفوظة - كنيسة القديس جوارجيوس للروم الملكيين الكاثوليك ترشيحا
الصفحة الرئيسية | عن الكنيسة | عن الموقع | راسلنا